على الرغم من معاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، إلا أنه مع ذلك يوصف في إسرائيل بأنه "سلام بارد"، وهناك اعتقاد إسرائيل بأن مصر قد تخوض الحرب مجددًا في يوم ما.
وقال مركز القدس للشؤون الخارجية والأمنية (JCFA)، إن مصر، استمرت ولا تزال تستعد عسكريًا لاحتمال نشوب صراع مستقبلي مع إسرائيل، واضعًا ذلك في إطار نظر الرأي العام العربي إلى السلام على أنه يمثل "غياب الحرب لا مصالحة حقيقية".
وأضاف في هذا السياق: "لعقود، قبلت إسرائيل هذا النموذج بشكل شبه تلقائي: فقد حافظت على الأمن، والتزمت بالاتفاقيات، وتجنبت الصراعات غير الضرورية مقابل ما سُمي بـ"السلام البارد".
السلام أحادي الجانب
ورأى مركز الأبحاث الإسرائيلي أن "الواقع الجديد، الذي تُظهر فيه إسرائيل تفوقًا واضحًا في جميع ميادين الصراع، يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يبقى السلام أحادي الجانب على مستوى الوعي؟".
ووصف السلام الذي لا يصاحبه تغيير جذري في الوعي والمجتمع في الدول الشريكة بأنه "سلام هش بطبيعته. فهو يقوم على إرادة الحكام واستقرار الأنظمة، لا على مصالح المجتمعات".
وقال إنه "طالما استمر تغذية الرأي العام بخطابات نزع الشرعية والتحريض وتصوير إسرائيل كعدو وجودي، فإن هذا السلام هو هدنة استراتيجية مؤقتة، وليس مصالحة حقيقية"، وفق تعبيره.
التعليم كرافعة استراتيجية
وأضاف المركز أنه "لسنوات، كان يُحرَّض على الخطاب المعادي لإسرائيل في الدول المحبة للسلام باعتباره "شأنًا داخليًا". فضّلت إسرائيل عدم التدخل، وعدم المطالبة، وعدم وضع شروط".
لكنه شدد على أن "الأمر بات يتطلب الآن نهجًا مختلفًا. فاللغة ليست مجرد كلمات، بل هي أداة لتشكيل الوعي. فهي إما أن تُضفي الشرعية على العنف، أو أن تفتح الباب أمام المصالحة والاعتراف والسلام المستدام".
واعتبر المركز أنه "من غير المعقول توقع أن تُعمّق إسرائيل علاقاتها، وتُوسّع تعاونها، وتُقدم على المخاطر السياسية، بينما تُصوّرها وسائل الإعلام وخطب المساجد والكتب المدرسية ككيان استعماري أو شيطاني أو مؤقت"، بحسب قوله.
وعلى ضوء ما سبق، فإنه يؤكد "أن السلام الحقيقي يتطلب تحولاً لغويًا وفكريًا: الاعتراف بشرعية إسرائيل كدولة يهودية ذات سيادة، ليس فقط كحقيقة جيوسياسية، بل كمكون دائم لا يتجزأ من المنطقة"، وفق زعمه.
وأبرز في هذا الإطار كيف يلعب التعليم الدور الأهم في ترسيخ الكراهية وعدم التطبيع مع إسرائيل، قائلاً: "إنّ الساحة الأكثر أهمية لإحداث تغيير جذري ليست الساحة العسكرية أو حتى الدبلوماسية، بل ساحة التعليم والتصورات. فهناك تُزرع بذور الحرب القادمة، أو السلام القادم".
وخلص إلى القول: "وطالما يُلقّن الأطفال في الأردن ومصر، أو الدول الساعية للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، تاريخًا مُشوّهًا، وجغرافيا تُطمس وجود إسرائيل، وأدبًا يُضفي هالة من القداسة على الصراع العنيف، فإنّ السلام الحقيقي يبقى مستحيلاً".
ورأى أنه "انطلاقًا من موقع قوة، يحق لإسرائيل، بل ويجب عليها، وضع معيار جديد: لا تطبيع بدون إصلاح تعليمي؛ ولا شراكة استراتيجية بدون تعليم من أجل السلام والتسامح والاعتراف المتبادل؛ ولا فصل مصطنع بين العلاقات الخارجية "البراجماتية" والتعليم الداخلي التحريضي"، مشددًا على أن "هذا مطلب مشروع، مقبول في سياقات دولية أخرى".
اتفاقيات أبراهام: فرصة أم وهم؟
واعتبر مركز الأبحاث الإسرائيلي، أن "توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام يمثل فرصة استراتيجية هامة، ولكنه في الوقت نفسه اختبار حقيقي".
إذ رأى أنه "لا يمكن للدول الساعية للانضمام إلى هذا الإطار أن تكتفي بالتعاون الاقتصادي والتكنولوجي مع الحفاظ على العداء الأيديولوجي. لا يمكن أن تتحول هذه الاتفاقيات إلى "سلام النخب الذي يتجاهل المجتمعات"، بل يجب أن تكون سلامًا يربط بين الشعوب"، وفق قوله.
وانتهى التقرير إلى مطالبة أي دولة تسعى إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل بأنه "عليها أن تُهيئ مواطنيها للسلام"، مؤكدًا أن "إصلاح المناهج الدراسية، وتدريب المعلمين، وتشجيع الحوار المدني المعتدل، وإنهاء نزع الإنسانية، ومكافحة التحريض، ليس انتهاكًا للسيادة، بل استثمارًا في الاستقرار".
القوة تخلق المسؤولية
وعلى ضوء التغير في موقع إسرائيل من دولة ذات "طابع دفاعي" إلى "قوة إقليمية مؤثرة ذات نفوذ حقيقي"، كما يصفها التقرير، فإنه يرى أن "هذه القوة تفرض عليها مسؤولية، لكنها تمنحها أيضًا الحق في المطالبة بالمزيد. السلام ليس مجرد غياب الحرب، بل هو وجود الشرعية والاحترام المتبادل والتثقيف من أجل التعايش".
وقال: "لا يمكن أن تقوم المرحلة المقبلة من السلام في المنطقة على مجرد توقيعات على ورق، بل على تغيير جذري في الوعي".
وتابع: "على الساعين إلى السلام مع إسرائيل أن يدركوا أن: السلام المستدام يتطلب تغييرًا في الخطاب، والتطبيع يعتمد على الدعم الشعبي، والمستقبل المشترك يتطلب إطارًا تعليميًا جديدًا".
وأكد أن "هذا ليس مجرد مطلب أخلاقي، بل مصلحة استراتيجية مشتركة لكل من يرغب في استقرار حقيقي في الشرق الأوسط".
https://he.jcfa.org/from-cold-peace-to-cognitive-transformation-redefining-regional-peace-in-an-era-of-israeli-power/

